الأخبار المحلية

حكومة الأمل.. التفكير خارج الصندوق

مرفأ الكلمات عثمان عولي

لم تعد موجة الغلاء التي تجتاح السودان مجرد ارتفاع عابر في أسعار السلع والخدمات، بل تحولت إلى معركة يومية يخوضها المواطن من أجل البقاء، ويواجه الموظف في قلبها واقعاً اقتصادياً قاسياً، تتآكل فيه قيمة راتبه قبل أن يصل إلى منتصف الشهر، بل إن المرتب الذي كان يفترض أن يؤمّن الحد الأدنى من متطلبات الحياة، بات بالكاد يكفي لثلاثة أيام!
في المقابل، تمضي الحياة بإيقاع متسارع؛ رسوم المدارس والجامعات، وتكاليف السكن، والعلاج، والمواصلات، والغذاء، وسائر متطلبات المعيشة، ترتفع بوتيرة تكاد تشبه سرعة الصاروخ، بينما ظلت المرتبات أسيرة أرقام ثابتة لا تعكس حجم التحولات الاقتصادية ولا تواكب جنون الأسعار. وهنا تتسع الفجوة بين الدخل والاحتياجات، ويجد المواطن نفسه محاصراً بين راتب لا يكفي، وأسعار لا ترحم، ومستقبل تزداد ملامحه غموضاً.
حكومة الأمل.. أين الحلول غير التقليدية؟
إن التحدي الذي تواجهه حكومة الأمل لا يقتصر على إدارة مؤسسات الدولة في ظل ظروف الحرب، بل يمتد إلى ابتكار حلول اقتصادية خارج الصندوق، تعيد التوازن إلى حياة الناس، وتحفظ للموظف كرامته، وللمعلم مكانته، وللعالم والخبير قدرتهما على العطاء والإنتاج.
فلا يمكن بناء دولة قوية بموظف منهك، ولا صناعة مستقبل تعليمي واعد بمعلم يبحث عن لقمة العيش خارج الفصل الدراسي، ولا الحفاظ على العقول والكفاءات بينما تضيق بها سبل الحياة، فتجد نفسها مضطرة إلى مغادرة البلاد بحثاً عن الأمان والاستقرار والعيش الكريم.
ولا تزال عالقة في ذاكرتي قصة ذلك المعلم الذي ترك مهنة التدريس، لا زهداً في رسالته ولا تخلياً عن طلابه، وإنما بحثاً عن حياة كريمة، فقادته الحاجة إلى رحلة التنقيب عن الذهب، لتنتهي رحلته المأساوية تحت ركام انهيار أحد المناجم. قصة تختصر حجم المأساة التي يمكن أن تدفع أصحاب المهن والرسالات إلى طرق أبواب المخاطر، حين يعجز الراتب عن توفير أبسط مقومات الحياة.
إنها ليست قصة فرد فحسب، بل جرس إنذار يستوجب التوقف والتأمل؛ فحين يصبح البحث عن الذهب بديلاً عن التعليم، وحين يترك المعلم الفصل الدراسي بحثاً عن لقمة العيش، فإن الخسارة لا تتوقف عند حدود الأسرة التي فقدت عائلها، بل تمتد إلى مجتمع يفقد خبراته، ومدارس تخسر معلميها، ودولة تتراجع قدرتها على بناء أجيالها.
الهجرة.. حين يصبح الوطن حلماً بعيداً
لم تعد الهجرة بالنسبة إلى كثير من السودانيين مجرد رغبة في تحسين الظروف أو اكتشاف فرص جديدة، بل أصبحت، في ظل الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية، خياراً اضطرارياً تفرضه قسوة الواقع. وبين الهجرة الشرعية وغير الشرعية، تتعدد الطرق وتختلف المخاطر، لكن الدافع في كثير من الحالات واحد: البحث عن الأمان والكرامة وفرصة العيش.
لقد دفعت الحرب بما حملته من قتل ونهب وسلب وانتهاكات، إلى جانب ضيق المعيشة وانحسار فرص العمل، أعداداً من المواطنين إلى مغادرة البلاد، ولم تعد الهجرة تقتصر على الشباب الباحثين عن وظائف، بل امتدت إلى أصحاب الخبرات والعلماء والكفاءات، كبارهم وصغارهم، ممن يرون في الخارج فرصة لاستعادة الاستقرار الذي افتقدوه في وطنهم.
وهنا يبرز السؤال المؤلم: ماذا يبقى للدولة إذا هاجر معلموها وأطباؤها ومهندسوها وخبراؤها وشبابها؟ ومن سيحمل مسؤولية إعادة الإعمار، ويقود عجلة الإنتاج، ويعيد بناء المؤسسات، إذا أصبح الخروج من الوطن هو الخيار الأقرب إلى تحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة؟
إن حماية الكفاءات ليست ترفاً، وتحسين الأجور ليس مطلباً فئوياً معزولاً، بل ضرورة وطنية واقتصادية. فالموظف الذي لا يستطيع إعالة أسرته لن يتمكن من منح عمله كامل طاقته، والمعلم الذي تلاحقه هموم المعيشة لن يجد الاستقرار الذي يحتاج إليه لأداء رسالته، والشاب الذي لا يرى أفقاً لمستقبله سيظل يبحث عن نافذة أخرى، ولو كانت محفوفة بالمخاطر.
ما الذي يمكن أن تفعله حكومة الأمل؟
إن التفكير خارج الصندوق يبدأ بالاعتراف بأن الحلول التقليدية لم تعد كافية، وأن معالجة الأزمة تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، في مقدمتها مراجعة الأجور وربطها بمتغيرات تكاليف المعيشة وفق الإمكانات المالية للدولة، مع إعطاء الأولوية للقطاعات الحيوية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
كما يتطلب الأمر البحث عن موارد حقيقية ومستدامة، وتوسيع الإنتاج الزراعي والصناعي، ومحاربة التهريب والفساد، وترشيد الإنفاق الحكومي، ومراجعة الرسوم التي تثقل كاهل المواطنين، وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر تضرراً، بدلاً من تركها وحدها في مواجهة السوق.
ومن الضروري أيضاً ابتكار وسائل عملية لتحسين دخول العاملين، وتوفير فرص إنتاجية للشباب، ودعم المشروعات الصغيرة، وتهيئة بيئة جاذبة لاستعادة الكفاءات المهاجرة. فالمعالجة لا ينبغي أن تقتصر على زيادة المرتبات دون النظر إلى أسباب ارتفاع الأسعار، لأن أي زيادة في الأجور قد تفقد أثرها سريعاً إذا لم تصاحبها سياسات تضبط الأسواق وتدعم الإنتاج وتحد من تدهور القوة الشرائية.
إن المواطن لا ينتظر معجزات، وإنما يريد أن يرى أثراً ملموساً للسياسات الاقتصادية في حياته اليومية؛ أن يشتري احتياجات أسرته دون أن يستنزف راتبه في أيام معدودة، وأن يرسل أبناءه إلى المدارس والجامعات دون أن يتحول التعليم إلى عبء يفوق قدرته، وأن يعمل الموظف وهو مطمئن إلى أن راتبه يوفر له الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار.
همسة إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان
وفي ختام هذا المقال، أبعث بهمسة صادقة إلى السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في الوقت الذي تخوض فيه القوات المسلحة معاركها دفاعاً عن الدولة وسيادتها، وسط تضحيات كبيرة يقدمها أبناء السودان في مختلف الجبهات.
إن معركة استعادة الدولة لا تكتمل بالانتصارات العسكرية وحدها، على أهميتها، وإنما تحتاج أيضاً إلى معركة موازية لاستعادة الاستقرار الاقتصادي، وتخفيف أعباء المعيشة، وحماية المواطن من السقوط تحت وطأة الفقر والعوز. فالسوداني الذي يقف خلف قواته المسلحة، ويصبر على قسوة الحرب، يستحق أن يجد من الدولة ما يعينه على مواصلة الصمود.
سعادة الفريق أول البرهان، إن حماية الوطن تعني أيضاً حماية إنسانه، وإن الانتصار الذي ينتظره السودانيون ليس فقط استعادة الأرض والأمن، بل استعادة الحياة الكريمة، والراتب المجزي، والتعليم المستقر، والعلاج المتاح، والأمل في مستقبل لا يضطر فيه المواطن إلى مغادرة وطنه بحثاً عن لقمة العيش.
ولذلك، فإن رسالتي إلى حكومة الأمل واضحة: امنحوا السوق والاقتصاد ومعاش الناس أولوية توازي أولوية المعركة، وافتحوا أبواب الحلول غير التقليدية، واجعلوا المواطن محور السياسات والقرارات. فكما نريد للسودان أن ينتصر في ميادين القتال، نريده أن ينتصر في ميادين الاقتصاد والإنتاج والخدمات.
فالسودان لا يحتاج إلى استعادة الأرض وحدها، بل إلى استعادة الحياة فوق أرضه؛ ولا يحتاج إلى عودة النازحين والمهاجرين فحسب، بل إلى وطن يجدون فيه ما يدفعهم إلى البقاء والعودة.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى